
قبس بريس:
لم تعد قضية الصحراء المغربية تُناقش فقط بلغة الدبلوماسية أو البيانات السياسية، بل دخلت مرحلة أكثر حسماً داخل واشنطن، عنوانها الأمن القومي ومحاربة الإرهاب، حيث تشهد العاصمة الأمريكية تحركاً تشريعياً غير مسبوق لتصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية أجنبية .
وبدأت مؤسسات القرار الأمريكية تتعامل مع جبهة البوليساريو كملف أمني ثقيل، وليس كنزاع سياسي تقليدي، ما يجعل المشروع التشريعي الجديد في الكونغرس أشبه بزلزال يهدد أركان قيادة تندوف ويضع قادتها تحت المجهر الدولي، خاصة مع تزايد الأدلة على ارتباطات الجبهة بتنظيمات إرهابية في منطقة الساحل.
وينص مشروع القانون H.R. 4119، الذي يحمل اسم “قانون تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية”، على فرض عقوبات صارمة على الجبهة، ويطالب وزارتي الخارجية والخزانة الأمريكية بتقديم تقرير شامل حول قيادة البوليساريو، وأنشطتها العسكرية، وعلاقاتها الخارجية، خاصة مع إيران وحزب الله وروسيا.
ويقود هذه المبادرة النائبان جو ويلسون (جمهوري) وجيمي بانيتا (ديمقراطي)، مما يمنح المشروع بعداً ثنائياً يحاكي التوافق على المستوى الأمني الوطني . وقد انضم مؤخراً النائب الجمهوري زاكاري نون إلى قائمة الداعمين، وهو أحد الأصوات المؤثرة في الحزب الجمهوري والمرتبط بدوائر الأمن والدفاع، مما يرفع عدد مؤيدي المشروع داخل الكونغرس ويعطيه زخماً سياسياً كبيراً.
وفي نفس السياق، كشف النائب الجمهوري لانس غودن من تكساس عن انضمامه إلى مشروع القانون كداعم مشارك، في خطوة تعكس تزايد الاهتمام داخل الكونغرس بتقييم التهديد الذي تمثله البوليساريو على الأمن الإقليمي.
كما أعلن السيناتور الجمهوري تيد كروز عن إعداده لمشروع قانون موازٍ في مجلس الشيوخ، مؤكداً خلال جلسة استماع بلجنة العلاقات الخارجية أن “الأنشطة الإرهابية في الساحل هي من صنع جبهة البوليساريو”، محذراً من أن إيران تسعى إلى “تحويل البوليساريو إلى ما يشبه الحوثيين في غرب إفريقيا”.
ويتضمن مشروع القانون مهلة للجبهة للامتثال للمطالب الدولية، حيث ينص على إمكانية التنازل عن التصنيف إذا التزمت البوليساريو بالدخول في مفاوضات بحسن نية لتنفيذ مخطط الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية . التصنيف الإرهابي المقترح سيؤدي عملياً إلى تجميد أي أصول مالية أو دعم محتمل للجبهة داخل الولايات المتحدة، ويمنع أي تواصل سياسي أو تمثيل دبلوماسي، ويعرض الأفراد والقيادات لملاحقات قضائية في حال تقديم أي دعم مباشر أو غير مباشر.
الأخطر في المشروع ليس فقط الجانب القانوني، بل ما يفتحه من تحقيقات أمنية، حيث ستوضع أنشطة الجبهة تحت أعين أجهزة بحجم وكالة المخابرات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI). أي ارتباطات مشبوهة أو تمويلات غامضة أو علاقات مع شبكات في الساحل والصحراء ستتحول تلقائياً إلى ملفات جنائية، وليس مجرد تقارير سياسية.
وقد حذر متحدثون أمام لجنة الأمم المتحدة الرابعة من التواطؤ القائم بين البوليساريو والجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، مشيرين إلى أن حالة عدنان أبو الوليد الصحراوي، العضو السابق في الجبهة والذي أصبح مؤسساً لتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، هي مجرد مثال واحد على هذه العلاقات الخطيرة.
وتعكس هذه التطورات في الكونغرس الأمريكي تحولاً نوعياً في فهم قضية الصحراء، من مجرد نزاع سياسي إلى تهديد أمني يتم التعامل معه بحزم، في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية الأمريكية لعقد جولات جديدة من المباحثات في واشنطن بهدف تسريع حل النزاع بناء على مخطط الحكم الذاتي المغربي.




