
قبس بريس: الحسن الوردي
من الصرخة إلى المؤسسة فلسفة النضال الإنساني وتجسيده النقابي
لقد كان تاريخ الإنسان، في جوهره، قصة صراع مستمرة ضد الهيمنة. كضرورة وجودية لردع الظلم واستعادة الكرامة. ومع تطور الوعي البشري، انتقل هذا النضال من طابعه الفردي العفوي إلى طابع “المأسسة”، حيث غدت النقابات والتنظيمات القانونية هي الروح العاقلة لهذا الكفاح.
وفي معرض حديثنا عن هذا الموضوع إرتأينا ان نتناوله من الزوايا التالية:
فلسفة النضال من الفطرة إلى الوعي.
يرى الفيلسوف الألماني هيغل في أطروحته الشهيرة جدلية السيد والعبد أن الاعتراف بالذات لا يأتي إلا من خلال النضال. فالإنسان لا ينال حريته كمنحة، بل ينتزعها انتزاعاً. ويؤكد جان جاك روسو في العقد الاجتماعي أن القوة لا تخلق الحق، وأن الطاعة لا تجب إلا للقوى المشروعة.
إن انتقال النضال من صفوة القوم (أي ذوي الفكر والوعي؛ الحل والعقد وربما حتى المال…) إلى عامة المتضررين هو الذي خلق الزخم التاريخي. وفي هذا الإطار يقول كارل ماركس، تاريخ كل مجتمع حتى يومنا هذا لم يكن سوى تاريخ صراع الطبقات. هذا الصراع هو الذي دفع البشرية للبحث عن وعاء قانوني يحمي الضعيف من تغول القوي.
مأسسة النضال ولادة النقابة
لم تعد الصرخة الفردية تكفي لردع الظلم الإداري أو الاقتصادي…، فكان لا بد من الانتقال إلى النضال المؤسساتي. النقابة ليست مجرد تجمع مهني، بل هي عقل جمعي يناضل بالمنطق والقانون بالحجة والدليل.
يقول المفكر النقابي سيدني ويب النقابة هي استمرارية لجمعية من الأجراء هدفها الحفاظ على ظروف حياتهم وتحسينها. هنا يتحول النضال من حالة غضب لحظية إلى استراتيجية حقوقية طويلة الأمد.
جوهر العمل النقابي مناهضة التنكيل ورد الحقوق
إن مبرر وجود النقابة ليس الرفاهية، بل هو مواجهة الإساءة. فحين تتحول الإدارة إلى أداة للتنكيل ، تصبح النقابة هي القاضي الميداني الذي يعيد الأمور إلى نصابها.
لاسيما من خلال ردع الإساءة وفي هذا الصدد يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن السلطة تميل دوماً لتوليد أدوات قمعية لذا فإن العمل النقابي هو السلطة المضاد (Counter-power) التي تمنع انحراف الإدارة نحو الاستبداد.
وحماية كرامة المرأة في سياق العمل، يكتسي النضال النقابي فيه صبغة أخلاقية مضاعفة فالتنكيل بها ليس مجرد خطأ إداري، بل هو انهيار لمنظومة القيم المؤسسية. والنقابة هنا تناضل لتكريس مبدأ المواطنة المهنية الكاملة.
إن الإدارة التي تنكّل بموظفيها تخسر شرعيتها الأخلاقية، وهنا يأتي دور النقابة كضامن قانوني يحول دون تحويل مكان العمل إلى ساحة تصفية حسابات. إن جوهر العمل النقابي هو إرساء قواعد القانون بحيث لا يجرؤ أي موظف أو مسؤول على استضعاف مرؤوس، مدركاً أن وراء هذا الموظف مؤسسة نضالية صلبة.
مأزق الشرعية حين تصبح النقابة صدى للإدارة
إن أخطر ما يواجه تاريخ النضال الإنساني ليس قمع الإدارة، بل انحراف الأداة النضالية عن مسارها. فعندما تتحول النقابة من محامٍ عن الموظف إلى صدى للإدارة، فإنها لا تمارس خيانة وظيفية فحسب، بل ترتكب جريمة وجودية تقتل مفهوم العدالة المؤسسية. وتسقط بذلك شرعيتها التي وجدت من أجلها وهنا يقول الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو أنا أعترض، إذن نحن موجودون. الوجود النقابي مشروط بالاعتراض على الظلم؛ فإذا تحولت النقابة إلى أداة لتبرير قرارات الإدارة التعسفية أو التنكيل بالموظفين، فإنها تفقد علة وجودها. وبذلك تكرس
المظلومية فحين تدافع النقابة عن الإدارة في باطلها، فإنها تحرم المظلوم من آخر ملجأ له، مما يحول بيئة العمل إلى غابة مقننة يشرعن فيها القانونُ الظلمَ. وهذا يؤدي حتما إلى
فقدان الهوية فالنقابة التي تجامل المسؤول على حساب كرامة وحقوق المستضعفين، تتحول من مؤسسة نضالية إلى ملحقة إدارية لا قيمة لها في ميزان الحقوق. وفي نفس الإتجاه لا بد من مقاربة الموضوع من ناحية أخرى أيضا لا يقل أهمية وهي جدلية العفو والمساءلة
فالتسامح لا يعني التنازل عن الحق وهنا يجب التمييز بدقة بين مستويين من التعامل مع الإساءة فالعفو والصفح شيمٌ إنسانية رفيعة تعكس رقيّ الذات وترفعها عن الصغائر. وهو فعل اختياري يقوم به المظلوم من موقع القوة الأخلاقية، وهو محمودٌ لأنه يغسل الأحقاد ويفتح باباً للإصلاح النفسي.
وجوب المساءلة
الصفح الشخصي لا يعفي الإدارة من واجب المساءلة. فالمساءلة ليست انتقاماً، بل هي آلية ضبط. يقول الفيلسوف جان جاك روسو “بلا عقاب، تصبح القوانين مجرد كلمات فارغة”. للننتقل بعد ذلك إلى رد الحقوق كضمانة لاستقرار المؤسسة
إن النقابة التي تتهرب من رد الحقوق لأهلها بحجة التسامح هي نقابة تشجع على استمرار الإساءة. خاصة إذا علمنا أن المساءلة هي الرسالة الوحيدة التي تفهمها النفوس التي تميل للتنكيل؛ فبدون ردع، تصبح الإساءة للموظفة أو الموظف ثقافة عمل سائدة.
وحاصل القول إن النضال الذي تقوده “صفوة القوم” هو الذي يرفض أن تكون النقابة “شاهد زور” على الإساءة. الصفح صفة الأقوياء في نفوسهم، والعدل واجب الأقوياء في مناصبهم. وبين عفو الفرد وحزم المؤسسة، يُبنى صرح الكرامة الذي لا يُنكل فيه بامرأة ولا يُهضم فيه حق موظف