
قبس بريس:
مقدمة
ليست الدولة كيانًا معصومًا من الخطأ، بل هي بناء بشري تتداخل فيه المصالح والتقديرات والاجتهادات، وقد تعتريه أحيانًا اختلالات في التدبير أو انحرافات في التطبيق، غير أن ما يميز الدولة الحديثة ليس خلوها من الأخطاء، بل توفرها على آليات مؤسساتية قادرة على تصحيح هذه الأخطاء وضبط التوازن داخل المجتمع، ومن بين أبرز هذه الآليات، تبرز النقابات كقوة اجتماعية وتنظيمية تضطلع بأدوار متعددة، تتجاوز الدفاع عن الحقوق المهنية إلى المساهمة في مراقبة السياسات العمومية وتقويمها.
ورغم هذه الأهمية، فإن الثقافة النقابية ما تزال ضعيفة لدى شريحة واسعة من المجتمع، مما ينعكس سلبًا على فعالية هذه المؤسسات، فما هو دور النقابات في تصحيح اختلالات الدولة؟ ولماذا تعاني من ضعف الوعي المجتمعي؟ وكيف يمكن تعزيز مكانتها داخل المجتمع؟
أولًا: الدولة بين الخطأ وآليات التصحيح
إن الدولة، باعتبارها جهازًا يسهر على تدبير الشأن العام، تتخذ قرارات تمس مختلف جوانب الحياة اليومية للمواطنين، وهذه القرارات، مهما بلغت درجة دقتها، تظل عرضة للخطأ أو القصور، سواء بسبب ضعف التقدير، أو غياب المعطيات الكافية، أو حتى نتيجة تغليب اعتبارات معينة على حساب أخرى.
غير أن الدول التي تسير في اتجاه الديمقراطية والحكامة الجيدة، لا تترك هذه الأخطاء دون معالجة، بل تعتمد على منظومة من المؤسسات التي تراقب الأداء العام وتعمل على تصحيحه، وتشمل هذه المنظومة القضاء، والبرلمان، وهيئات الحكامة، إضافة إلى المجتمع المدني، وفي مقدمته النقابات.
فوجود هذه المؤسسات يعكس توازنًا ضروريًا يمنع احتكار القرار، ويحد من التعسف، ويضمن نوعًا من الرقابة المستمرة على عمل الدولة، ومن هنا، فإن الخطأ لا يُعد نهاية المطاف، بل بداية لمسار تصحيحي تشارك فيه أطراف متعددة.
ثانيًا: النقابات كقوة تصحيحية داخل المجتمع
تلعب النقابات دورًا محوريًا في الدفاع عن حقوق الشغيلة، سواء تعلق الأمر بالحقوق المادية كالأجور والتعويضات، أو الحقوق المعنوية كالكرامة المهنية وظروف العمل. غير أن دورها لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى مراقبة السياسات العمومية، خاصة تلك التي تمس الفئات التي تمثلها،
فالنقابة، بحكم قربها من الواقع الميداني تكون أكثر قدرة على رصد الاختلالات التي قد تغيب عن صانع القرار وهي بذلك تنقل صوت الفئات المتضررة وتدافع عن مصالحها، وتضغط من أجل تصحيح السياسات أو مراجعتها.
كما أن النقابات تلعب دورًا تفاوضيًا مهمًا، حيث تشارك في الحوار الاجتماعي مع الحكومة وأرباب العمل بهدف التوصل إلى حلول توافقية تضمن التوازن بين مختلف الأطراف وهذا الدور يجعل منها شريكًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي بدل أن تكون مجرد طرف معارض.
إضافة إلى ذلك تساهم النقابات في تأطير الأفراد وتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم، مما يعزز من روح المواطنة ويقوي الإحساس بالمسؤولية الجماعية.
ثالثًا: ضعف الثقافة النقابية وأسبابه
رغم الأدوار الحيوية التي تضطلع بها النقابات، فإن حضورها في الوعي المجتمعي لا يزال محدودًا فالكثير من الأفراد لا يدركون طبيعة عملها ولا يعرفون كيف يمكنها أن تؤثر في حياتهم اليومية.
ومن بين أسباب هذا الضعف، غياب التثقيف النقابي في المؤسسات التعليمية حيث لا يتم تعريف الأجيال الجديدة بأهمية العمل النقابي ودوره في حماية الحقوق كما أن بعض الممارسات السلبية داخل بعض النقابات، كالصراعات الداخلية أو تسييس العمل النقابي، تساهم في تشويه صورتها لدى الرأي العام.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الأفراد ينظرون إلى النقابات بعين الريبة ويعتبرونها مصدرًا للتوتر أو التعطيل، خاصة عندما تلجأ إلى الإضرابات أو الاحتجاجات غير أن هذا الفهم يظل قاصرًا، لأنه يتجاهل أن هذه الوسائل تعد جزءًا من العمل النقابي المشروع عندما تستنفد باقي سبل الحوار.
كما أن ضعف الانخراط النقابي يحد من قوة هذه المؤسسات ويجعلها أقل تأثيرًا في صنع القرار مما يخلق حلقة مفرغة بين ضعف الوعي وضعف الفعالية.
رابعًا: آثار ضعف الوعي النقابي على المجتمع
إن ضعف الثقافة النقابية لا يؤثر فقط على النقابات بل ينعكس على المجتمع ككل. فعندما يغيب الوعي بدور هذه المؤسسات تقل المشاركة فيها مما يؤدي إلى إضعاف قدرتها على الدفاع عن الحقوق.
وهذا الوضع قد يفتح المجال أمام تفاقم الاختلالات حيث تغيب الرقابة المجتمعية الفعالة وتضعف آليات التصحيح، كما أن غياب التأطير النقابي يجعل الأفراد أكثر عرضة للاستغلال أو التهميش لعدم معرفتهم بحقوقهم أو بسبل المطالبة بها.
ومن جهة أخرى، فإن ضعف النقابات قد يؤدي إلى اختلال التوازن بين مختلف الفاعلين مما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي ويزيد من حدة الاحتقان.
خامسًا: سبل تعزيز الثقافة النقابية
لمواجهة هذا الوضع يصبح من الضروري العمل على تعزيز الثقافة النقابية داخل المجتمع، من خلال مجموعة من الإجراءات.
أولًا، إدماج التثقيف النقابي في المناهج التعليمية، لتعريف الأجيال بدور النقابات وأهميتها.
ثانيًا، تشجيع النقابات على تطوير خطابها وأساليب عملها، بما يواكب تطلعات الشباب ويعزز الثقة فيها.
ثالثًا، تعزيز الشفافية داخل النقابات، لتفادي الممارسات التي قد تسيء إلى صورتها.
رابعًا، دعم الحوار الاجتماعي كآلية أساسية لحل النزاعات، بدل اللجوء إلى التصعيد بشكل مباشر.
كما أن وسائل الإعلام تلعب دورًا مهمًا في التعريف بالنقابات ونشر الوعي بأدوارها، وتصحيح الصورة النمطية عنها.
خاتمة
في نهاية المطاف، تبقى النقابات ركيزة أساسية في بناء مجتمع متوازن وعادل، حيث تساهم في تصحيح اختلالات الدولة والدفاع عن الحقوق وتعزيز المشاركة المجتمعية. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينًا بمدى وعي الأفراد بأهمية العمل النقابي واستعدادهم للانخراط فيه بشكل إيجابي ومسؤول.
فالدولة قد تخطئ، لكن وجود مؤسسات قوية وواعية، وفي مقدمتها النقابات، هو ما يضمن تصحيح هذه الأخطاء ويحول دون تحولها إلى واقع دائم ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي هو بناء ثقافة نقابية راسخة تجعل من هذه المؤسسات قوة فاعلة في تحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ قيم الديمقراطية.
==عبد الواحد سامي، مسير المصالح المالية والمادية بمديرية سيدي بنور.