التعليم 

«ما تستطيع الفلسفة؟»..ندوة دولية بكلية الآداب بالجديدة تفتح أسئلة التفكير في العصر الراهن وتحديات الإنسان والعالم

قبس بريس: أحمد مسيلي

احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، يومي الثلاثاء 3 والأربعاء 4 نونبر 2026، أشغال ندوة دولية في موضوع «ما تستطيع الفلسفة: محاضرات التفكير في العصر الراهن»، نظمها مختبر التاريخ العام والمجتمع، بمشاركة ثلة من الأساتذة والباحثين والمتخصصين في الفلسفة من جامعات ومؤسسات أكاديمية مغربية وأجنبية.

وتندرج هذه الندوة في سياق أكاديمي وفكري يروم إعادة مساءلة موقع الفلسفة ووظيفتها في عالم تتسارع فيه التحولات المعرفية والثقافية والتكنولوجية، وتتزايد فيه الحاجة إلى التفكير النقدي وإعادة النظر في المسلمات واليقينيات التي تؤطر فهم الإنسان لذاته وللعالم من حوله.

وقد شكل موضوع الندوة مدخلا لمناقشة مجموعة من القضايا الفلسفية الراهنة، من خلال مقاربات متعددة تستحضر تاريخ الفكر الفلسفي وتستكشف إمكاناته في مواجهة أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل، بما يجعل الفلسفة أكثر من مجرد تأمل نظري، باعتبارها ممارسة نقدية قادرة على مساءلة الواقع وإنتاج المعنى وفتح آفاق جديدة للتفكير.

استهلت أشغال اليوم الأول، صباح الثلاثاء 3 نونبر، بكلمات افتتاحية لكل من نائب رئيس جامعة شعيب الدكالي ومدير المختبر، ولجنة التنسيق، قبل الانتقال إلى الجلسات العلمية التي توزعت على مجموعة من المحاور الفكرية والفلسفية.

ففي الجلسة العلمية الأولى، التي سيرها الأستاذ محمد مزور من جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، تناولت المداخلات قضايا فلسفية متنوعة، من بينها موضوع «النسق والنقد في الفلسفة المعاصرة»، وموضوع «أين تسير الفلسفة المعاصرة؟»، إلى جانب مداخلة حول «قضايا فلسفية في نظرية الترجمة: ملاحظات بصدد مشروع أطروحة برمان»، فضلا عن موضوع «الترجمة والترجمة المضادة في الفلسفة: نموذج الترجمة الألمانية إلى العربية والعكس».

وقد أتاحت هذه المداخلات فرصة للتداول في إشكالات العلاقة بين الفلسفة واللغة والترجمة، وحدود النقد الفلسفي وإمكانات تجديد التفكير المعاصر.

أما الجلسة العلمية الثانية، التي سيرها الأستاذ محمد نعيم، فقد انصبت على أسئلة فلسفية تتصل بعلاقة الإنسان بالعقل والمعرفة والحس المشترك، حيث ناقشت المداخلات موضوع «توماس ريد: هل يقف الحس المشترك ضد الفلسفة؟»، كما تناولت إشكالية نقد مركزية الفلسفة الأوروبية من خلال فكر جاك دريدا، فضلا عن مقاربة الفلسفة بوصفها فاعلية كونية في مواجهة التصورات المناهضة للأفق الفلسفي، وصولا إلى التساؤل الجوهري: «هل تستطيع الفلسفة اليوم؟».

واصلت الندوة أشغالها يوم الأربعاء 4 نونبر، من خلال جلستين علميتين شكلتا امتدادا للنقاشات الفكرية التي شهدها اليوم الأول، مع توسيع دائرة مساءلة الفلسفة لتشمل قضايا الأخلاق والبيوإتيقا والبيئة والديمقراطية والعيش المشترك.

ففي الجلسة العلمية الثالثة، التي سيرها الأستاذ عبد الرحيم البصري، تم التطرق إلى موضوع «التحليل الأتيقي للمعنى عند جون ميشال سالانسكي»، إلى جانب مداخلة حول «العقل والأخلاق في مباحث البيوإتيقا»، وأخرى تناولت «الفلسفة بوصفها ممارسة إيتيقية».

وقد سلطت هذه المداخلات الضوء على العلاقة المركبة بين العقل والأخلاق والمعنى، وعلى الدور الذي يمكن أن تضطلع به الفلسفة في تأطير الأسئلة الأخلاقية التي تفرضها التحولات العلمية والمعرفية، خصوصا في المجالات المرتبطة بالحياة والإنسان والمسؤولية.

أما الجلسة العلمية الرابعة، التي سيرها الأستاذ عبد الهادي مفتاح، فقد اتجهت نحو مساءلة القضايا الإيكولوجية والسياسية التي أصبحت تفرض نفسها بإلحاح على الفكر المعاصر. وفي هذا السياق، تناولت المداخلات موضوع «في الفلسفة الإيكولوجية وسؤال إنقاذ الكوكب»، وموضوع «الديمقراطية وتحديات العيش المشترك».

وأعادت هذه المداخلات طرح أسئلة جوهرية تتعلق بمسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة والكوكب، وبحدود الفعل الإنساني في مواجهة التدهور البيئي، فضلا عن التحديات التي تواجه الديمقراطية وإمكانات بناء مجتمع قائم على الاختلاف والتعدد والتعايش.

واختتمت أشغال الندوة بعرض تركيبي استحضر مختلف القضايا والمحاور التي أثارتها الجلسات العلمية، قبل الإعلان عن اختتام فعالياتها.

لقد كشفت مختلف محطات هذه الندوة أن السؤال عن قدرة الفلسفة اليوم ليس مجرد سؤال أكاديمي أو سجال نظري حول مكانتها داخل الحقل المعرفي، بل هو سؤال يتصل بمصير الإنسان نفسه، وبقدرته على فهم التحولات التي تعيد تشكيل العالم من حوله.

ففي زمن تتعاظم فيه سلطة التكنولوجيا، وتتداخل فيه المعرفة العلمية مع الإشكالات الأخلاقية، وتشتد فيه الأزمات البيئية وتتفاقم فيه تحديات الديمقراطية والعيش المشترك، تبدو الحاجة إلى الفلسفة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ ليس باعتبارها مخزونا من الأفكار والنظريات، وإنما بوصفها فعلا نقديا يحرر العقل من الاستسلام للبداهات، ويمنح الإنسان القدرة على مساءلة ما يبدو يقينيا وثابتا.

ومن هذه الزاوية، تبرز القيمة الفكرية والعلمية لهذه الندوة التي نجحت في جمع أسئلة متعددة تحت سقف واحد، واضعة الفلسفة أمام امتحان راهنيتها وقدرتها على مواكبة قضايا العصر، والانخراط في النقاشات الكبرى التي تتجاوز حدود التخصصات الأكاديمية الضيقة.

إن الفلسفة لا تفقد ضرورتها حين تعجز عن تقديم أجوبة نهائية، بل تستمد قوتها من قدرتها على إبقاء الأسئلة مفتوحة، وعلى مقاومة الجمود الفكري، وتوسيع أفق الممكن الإنساني. ولعل هذا هو الرهان الأعمق الذي اختزلته هذه الندوة: أن تظل الفلسفة يقظة العقل في زمن التحولات، وصوت النقد في مواجهة اليقينيات المغلقة، وأفقا للتفكير في مستقبل الإنسان والعالم.

وبذلك شكلت هذه التظاهرة العلمية محطة أكاديمية وفكرية تعكس أهمية الجامعة المغربية باعتبارها فضاء لإنتاج المعرفة وتداول الأفكار، ومنبرا لترسيخ ثقافة الحوار والاختلاف، وإعادة الاعتبار للفلسفة باعتبارها إحدى أهم أدوات فهم الإنسان والعالم وتحولات العصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى