
قبس بريس:
تتزايد المخاوف بشأن ما قد يتعرض له بعض التلميذات والتلاميذ داخل الأقسام الداخلية التابعة للمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بسيدي بنور، في ظل حديث متداول عن ممارسات وسلوكات مشينة تستدعي، قبل أي شيء، فتح تحقيق جدي ومسؤول للوقوف على حقيقة ما يجري، وترتيب المسؤوليات الإدارية والقانونية، حمايةً للنزيلات والنزلاء وصوناً لحرمة المؤسسات التعليمية.
فالأقسام الداخلية ليست مجرد فضاءات للإيواء، وإنما هي مؤسسات تربوية تحتضن فئة من فلذات الأكباد، وتتحمل مسؤولية رعايتهم وحمايتهم خلال فترة إقامتهم بها. ومن ثم، فإن مهمة الحراسة والتأطير داخل هذه الفضاءات، وخاصة بالنسبة للحارس العام للداخلية بالمؤسسات الثانوية التأهيلية، تكتسي طبيعة بالغة الحساسية، بالنظر إلى حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، باعتباره مؤتمناً على سلامة النزيلات والنزلاء وأمنهم وكرامتهم.
ومن هنا تطرح علامات استفهام كبيرة حول معايير اختيار من تسند إليهم هذه المسؤوليات، ومدى توفرهم على المؤهلات الأخلاقية والتربوية والشخصية التي تجعلهم جديرين بالاضطلاع بمهمة تتعلق، قبل كل شيء، بحماية قاصرين يعيشون بعيداً عن أسرهم.
وقائع سابقة تستوجب استخلاص الدروس
ولعل ما عرفته بعض الداخليات التابعة للمديرية الإقليمية بسيدي بنور، خلال فترات سابقة، من وقائع وأحداث مؤسفة، سواء بالزمامرة أو سيدي بنور أو العونات… يشكل، في حد ذاته، سبباً كافياً لإعادة النظر في طريقة تدبير هذه المرافق الحساسة، وعدم التعامل مع أي مؤشرات مقلقة بمنطق التجاهل أو الانتظار إلى حين وقوع ما لا تحمد عقباه.
فالمطلوب اليوم ليس انتظار مأساة جديدة حتى تتحرك الجهات المسؤولة، وإنما اعتماد سياسة استباقية تقوم على المراقبة المنتظمة، والإنصات للنزيلات والنزلاء، والوقوف الميداني على ظروف إقامتهم، والتأكد من احترام جميع الضوابط المتعلقة بحمايتهم.
والأكثر حساسية يظل وضعية الفتيات داخل الأقسام الداخلية، بالنظر إلى خصوصية هذه الفئة وضرورة توفير فضاء آمن يحفظ لهن كرامتهن وسلامتهن النفسية والجسدية، ويضمن لهن ظروفاً سليمة للتحصيل الدراسي والإقامة.
المسؤولية تبدأ من رأس الهرم الإداري
إن الحديث عن مسؤولية من تسند إليهم مهام الحراسة والتأطير لا ينبغي أن يحجب المسؤولية الإدارية للجهة الوصية عن تدبير هذه المرافق.
فالمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بسيدي بنور مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة في ما يتعلق باختيار الأطر المكلفة بالأقسام الداخلية، ومراقبة أدائها، وتتبع ظروف إقامة التلميذات والتلاميذ، والتفاعل الجدي مع أي شكاية أو مؤشرات تفيد وجود اختلالات.
كما أن المسؤولية الإدارية لا تتوقف عند حدود الشخص الذي أسندت إليه المهمة، وإنما تمتد إلى الجهة التي عينته أو كلفته، والتي يفترض فيها أن تتحقق من مدى ملاءمة مؤهلاته وصفاته الشخصية والأخلاقية مع حساسية المهمة المسندة إليه.
وبالتالي، فإن أي تقصير في المراقبة أو التتبع أو التدخل، إذا ثبت، لا يمكن اختزاله في خطأ فردي، بل يستوجب مساءلة المسؤولين عن منظومة التدبير والمراقبة برمتها.
عامل الإقليم مطالب بالتدخل
وأمام حساسية الموضوع، يبدو من الضروري أن تتدخل السلطات الإقليمية، وفي مقدمتها السيد عامل إقليم سيدي بنور، من خلال إحداث لجان إقليمية مستقلة ، تكون مهمتها الوقوف ميدانياً على أوضاع الأقسام الداخلية التابعة للإقليم، والاستماع إلى النزيلات والنزلاء، والاطلاع على ظروف الحراسة والتأطير، مع إيلاء عناية خاصة للأقسام التي تأوي الفتيات.
كما ينبغي أن تشمل هذه الزيارات المؤسسات المعنية دون إشعار مسبق، حتى تكون المعاينة واقعية وتعكس الظروف الفعلية التي يعيشها النزلاء.
فحماية الأطفال والتلاميذ ليست مجالاً للمجاملة أو الحسابات الإدارية، وأي مؤشرات على وجود ممارسات غير سليمة داخل فضاءات يفترض أن تكون آمنة تستوجب التحقيق الفوري، لا الصمت أو الانتظار.
لقد سبق أن عرفت بعض الداخليات بالإقليم أحداثاً كان يفترض أن تشكل دروساً للمسؤولين، وأن تدفع إلى تشديد آليات المراقبة والوقاية. ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تم فعلاً استخلاص العبر مما وقع سابقاً؟ وهل توجد آليات حقيقية ومستقلة لضمان سلامة النزيلات والنزلاء؟ حقا لا نريد مأساة جديدة ، إن فلذات الأكباد الذين تلجأ أسرهم إلى الداخليات بسبب بُعد المؤسسات التعليمية عن مقرات سكناهم، ليسوا أرقاماً في لوائح الإيواء، وإنما هم أمانة في أعناق المسؤولين.
ومن غير المقبول أن تتحول الداخلية، التي يفترض أن تكون امتداداً للمؤسسة التعليمية والأسرة، إلى فضاء يثير الخوف والقلق لدى الأسر. و من غير المقبول أن يركن المسؤول الاقليمي في الزاوية الى حين وقوع ما لا يحمد عقباه ، و من غير المقبول أن يتنصل من المسؤوليات الملقاة على عاتقه ، فكل خطوة أو اجراء يتحمل تبعاته كاملة ، و عن علم مسبق !
لدى ، فإن ناقوس الخطر يدق، والمسؤولية تقتضي التحري عوض الاتكال على رأي من لا دراية له و نصبح نردد ” تمسك غريق بغريق”




